الشنقيطي
502
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فقال : كان ابن عباس رضي اللّه عنهما لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا يعني يدا بيد ، فكان يقول : إنما الربا في النسيئة . فلقيه أبو سعيد الخدري فقال : يا ابن عباس ، ألا تتقي اللّه إلى متى تؤكل الناس الربا ؟ أما بلغك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة : « إني لأشتهي تمر عجوة » فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة . فقامت فقدمته إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلما رآه أعجبه ، فتناول تمرة ثم أمسك فقال : « من أين لكم هذا » ؟ فقالت أم سلمة : بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتانا بدل صاعين هذا الصاع الواحد ، وها هو ، كل ، فألقى التمرة بين يديه فقال : « ردوه لا حاجة لي فيه . التمر بالتمر ، والحنطة بالحنطة ، والشعير والشعير ، والذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، يدا بيد ، عينا بعين ، مثلا بمثل فمن زاد فهو ربا » ثم قال « كذلك ما يكال ويوزن أيضا » « 1 » إلى آخره . ثم قال الحاكم رحمه اللّه : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه بهذه السياقة . وهذا الحديث الذي قال الحاكم إنه صحيح الإسناد ، فيه التصريح بأن ما يكال ويوزن يباع مثلا بمثل ، يدا بيد . وقد قدمنا مرارا أن الموصولات من صيغ العموم لعمومها في كل ما تشمله صلاتها . فأبو حنيفة مثلا القائل بالربا في الأشنان متمسك بظاهر هذا الحديث ؛ فهو أقرب إلى ظاهر النص من الظاهرية المستهزئين به الزاعمين أنه بعيد في ذلك عن النص . فإن قيل : هذا الحدث لا يحتج به لضعفه ، وقد قال الذهبي متعقبا على الحاكم تصحيحه للحديث المذكور ما نصه : قلت : حيان فيه ضعف وليس بالحجة ، وقد أشار البيهقي إلى تضعيف هذا الحديث ، وأعله ابن حزم من ثلاثة أوجه : الأول - زعمه أنه منقطع ؛ لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد ولا من ابن عباس . الثاني - أن في الحديث أن ابن عباس رجع عن القول بإباحة ربا الفضل . واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل لقول سعيد بن جبير إن ابن عباس لم يرجع عن ذلك . والثالث - أن حيان بن عبيد اللّه المذكور في سند هذا الحديث مجهول . فالجواب عن ذلك كله هو ما ستراه الآن إن شاء اللّه ، وهو راجع إلى شيئين : الأول مناقشة من ضعف الحديث ، وبيان أنه ليس بضعيف . والثاني أنا لو سلمنا ضعفه تسليما جدليا فهو معتضد بما يثبت الاحتجاج به من الشواهد . أما المناقشة في تضعيفه ، فقول الذهبي : إن حيان فيه ضعف وليس بالحجة - معارض بقول أبي حاتم فيما ذكره عن ابنه في كتاب الجرح والتعديل : إنه صدوق ، ومعلوم أن الصحيح أن التعديل يقبل مجملا ، والتجريح لا يقبل إلا مبينا مفصلا كما هو مقرر في علوم الحديث . وقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه جرحا . وإعلال ابن حزم له
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب البيوع 2 / 42 ، 43 .